الشيخ السبحاني

466

بحوث في الملل والنحل

معلومة له بالضرورة ، لانتهاء ما في الكون إلى اللَّه سبحانه . قال تعالى : « أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » « 1 » وقد تعرّفت في البيان الّذي أوضحنا به دليل أبي عبد اللّه البصري أنّ العقل يدرك أن هنا شيئاً حسناً لدى الكلّ وقبيحاً كذلك . فلا يختصّ قبح الأشياء ولا حسنها بشخص دون آخر . وأمّا الأمر الثالث : فقد استدلّوا عليه بما ورد في الكتب الكلاميّة من أنّ القبيح لا يختاره إلّا الجاهل بالقبح أو المحتاج إليه ، وكلاهما منفيّان عنه تعالى ، ولأجل ذلك إنّ الظلمة والفسقة لا يرتكبون القبائح إلّا لجهلهم بقبحها أو لاعتقادهم أنّهم سيحتاجون إليها في المستقبل ، كما في غصب الأموال . يلاحظ عليه : أنّ هذا الدليل مبنيّ على كون فاعليّة الواجب بالداعي الزائد على ذاته ، وهو خلاف التحقيق لكونه تامّاً في الفاعليّة . فلا يكون في الإيجاد محتاجاً إلى شيء وراء ذاته . والأولى أن يقرّر بأنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليّين - على ما عرفت - هو أنّ العقل بما هو هو ، يدرك أنّ هذا الشيء بما هو هو ، حسن أو قبيح ، وأنّ أحد هذين الوصفين ثابت للشيء بما هو هو ، من دون دخالة ظرف من الظروف أو قيد من القيود ، ومن دون دخالة درك مدرك خاصّ . وعلى ذلك فالعقل في تحسينه وتقبيحه يدرك واقعيّة عامّة ومتساوية

--> ( 1 ) . الملك : 14 .